الصالحي الشامي
64
سبل الهدى والرشاد
عنها ، وأهل الظاهر يحملونها على الخطرات العارضة للقلب ، والطلبات الواردة الشاغلة له بهذه الغشية الملابسة . وقال القاضي : هو ما يستغشي القلب ، ولا يغطيه كل التغطية ، كالغيم الرقيق لذي لا يمنع ضوء الشمس ، ثم لا يفهم من الحديث أنه يغان على قلبه مائة مرة ، وإنما هذا عدد الاستغفار لا الغين ، فيكون المراد بهذا الغين الإشارة إلى غفلات قلبه ، وفترات نفسه ، وسهوها عن مداومة الذكر ، ومشاهدة الحق ، لما كان صلى الله عليه وسلم من مقامات البشر ، وسياسة الأمة ، ومعاناة الأهل ، ومقاومة الولي والعدو ، ومصلحة النفس ، وأعباء الرسالة ، وحمل الأمانة ، وهو في هذا كله في طاعة ربه ، وعبادة خالقه ، ولكن لما كان صلى الله عليه وسلم أرفع الخلق عند الله تعالى مكانة ، وأعلاهم درجة ، وأتمهم به معرفة ، وكانت حالة عند خلوص قلبه ، وخلو همه ، وتفرده بربه أرفع حاليه ، رأى حاله فترته عنها ، وشغله بسواها ، غمضا من علي حاله ، ورفيع مقامه ، فاستغفر من ذلك . وقال الشيخ شهاب الدين السهروردي : لا تعتقد أن الغين حالة نقص ، بل هو حالة كمال ، ثم مثل بجفن العين حين يسيل الدمع القذي عن العين مثلا ، فإنه يمنع العين عن الرؤية ، فهو من هذه الحيثية نقص ، وفي الحقيقة هو كمال ، هذا محصل كلامه بعبارة طويلة ، قال : فهكذا بصيرة النبي صلى الله عليه وسلم متعرضة للأغبرة الثائرة من أنفاس الأخيار ، فدعت الحاجة إلى ستر حدقة بصيرته ، صيانة لها ، ووقاية عن ذلك ، وقيل : هو حالة الخشية ، وإعظام ، الاستغفار شكرها ، ومن ثم قال المحاسبي : خوف المقربين خوف إجلال وإعظام ، وقيل : هو السكينة التي تغشي قلبه ، والاستغفار لإظهار العبودية والشكر لما أولاه . وذكر ابن عطاء الله في كتاب لطائف المنن : أن الشيخ أبا الحسن الشاذلي ( 1 ) قدس الله سره قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عن حديث : إنه ليغان على قلبي ، فقال : ( يا مبارك ذلك غين الأنوار ) . الثالث : في بيان غريب ما سبق : الاستغفار : استدعاء المغفرة ، وطلبها من الشفاعة ، وإعداد الأسباب المقربة إلى الطاعة . المقدم : بميم مضمومة ، فقاف مفتوحة ، فدال مهملة مكسورة ، فميم : الذي يقدم الأشياء ، ويضعها في مواضعها : ضد المؤخر ، فمن استحق التقديم قدمه . المؤخر : بميم مضمومة ، فهمزة مفتوحة ، فخاء معجمة مكسورة ، فراء : الذي يؤخر
--> ( 1 ) علي بن عبد الله بن عبد الجبار بن يوسف بن هرمز الشاذلي المغربي ، أبو الحسن : رأس الطائفة الشاذلية ، من المتصوفة ، وصاحب الأوراد المسماة ( حزب الشاذلي ) . انظر الأعلام 4 / 305 .